مرحبا بكم إلى نبع الحياة رفقة : محمد الرامي


المنطق

كتبهامحمد الرامي ، في 8 أكتوبر 2007 الساعة: 17:48 م

لست أدري الدافع الذي قد يدفع كاتبا أو أي انسان إلى الكلام في موضوع ما دون غيره من المواضيع،لكني اخترت موضوعا بناء على جدل قام حوله، و كان بالفعل دافعا للتفكير و الوقوف لحظات و لحظات مع قضاياه ــ الموضوع ــ لذا سأحاول طرح الموضوع باختصار تام ، و بأقل ما يمكن من الوسائل للفهم و التقاط المعاني… و عموما سأناقش في مقالي هذا، ما هو المنطق في نظري؟ و ما هي أنواع المنطق؟ و ما هي العلاقة بين المنطق و الصواب؟ مع تطعيم الموضوع بمجموعة من الأمثلة التي تدلل على رأيي…و سأحاول عرض هذه المواضيع باختصار و تجميع …

……………………………………..

     أولا أنا لا أؤمن بأن لكل زمان منطقه، فهذه مغالطة خطيرة و سفسطة متأخرة، و أنا في الحقيقة لا  أكن أي احترام للسفسطائيين!.. بل ما أراه هو أن المنطق يمكن أن يتخذ أوجها ، لأن الأمر في الأخير  هو عملية فهم ماهية المنطق، بحيث أنه علاقات لا تؤدي بالضرورة الى نفس النتيجة إلا في حال الملموس ….و قبل ان أشرح نظرتي و ليس نظريتي حول المنطق أضع بين أيديكم  تعريفا مختصرا و واضحا لهذه العملية التي نسميها منطق…هو خلاصة ما توصلت إليه في فهم هذا المفهوم…

ما هو المنطق ؟ ..

 المنطق هو مجموعة عمليات عقلية أيدتها التجربة الإنسانية …

أو ..

هو مجموعة علاقات ذهنية محتملة و مرجحة في نفس الوقت يقبلها العقل و يركن إليها …

إذن المنطق هو:

ــ عمليات:حركة حسابية مترابطة ..

ــ عقلية: لأن عملية تفاعلها تقع داخل العقل..

ــ أيدتها التجربة الانسانية: أي أن المعرفة المكتسبة كانت وسيلة أخرى من وسائل اعتبار هذه العمليات ذات قيمة مشتركة خاصة بالإنسان دون غيره من المخلوقات …

أو هو:

ــ مجموعة علاقات ترتبط فيما بينها عبر التجربة الانسانية الذكية..

ــ ذهنية: لأنها تقع و يقوم بها الذهن كعضو فزيائي محض..{ بعيدا عن العواطف }..

ــ محتملة:أي لا يمكنها أن تتخذ شكل المستحيل أبدا، بل هي أقرب إلى الحقيقة بمعنى من المعاني على الأقل،و لا يرفضها العقل،ولا تؤدي إلى دهشة،و لا تدعو للإستنكار..

ــ مرجحة:أي أنها مرجحة على باقي العمليات الغير الذهنية ــ العاطفية مثلا ــ فهي أقرب للثقة و القبول من منطق الواقع أو منطق العاطفة أو منطق المصلحة أو غيرها من العمليات الترتيبية الغير الذهنية التي تخضع لتاثيرات خارجها..

ــ محتملة و مرجحة: هناك اشياء محتملة كثيرة في هذا العالم، لكنها قد لا تكون مرجحة، و من المحتمل أن يولد الإنسان غنيا، كما من المحتمل أن يولد فقيرا، و من المحتمل أن ينجح الإنسان في الحياة، كما من المحتمل أن يفشل في حياته أيضا..لكن المنطق كعملية ذهنية، فهي بالمنطق عليها أن تكون محتملة و مرجحة في نفس الوقت حتى تكتسب صفة القبول من لدن العقل، الحكم الأول على هذه العمليات الذهنية…

ــ يقبلها العقل: أي أنها تخضع للحكم البعدي من طرف العقل، الأداة الأكثر ثقة عند الإنسان..

ــ و يركن اليها: بحيث تصبح هذه العمليات مرجعا للعقل المثقف و العامي على حد سواء…

فالمنطق اذن هو : مجموعة من العلاقات و العمليات الذهنية يقبلها العقل و تقع داخله يشترك الناس كلهم في الاقتناع بها كمرجع موثوق…

أنواع المنطق:

هناك من يرى بأن المنطق واحد، و هو بشكل أو بآخر يسير عبر نفس القنوات إلى نتائج مقبولة…أقول أولا هذه الجملة: المنطق هو مجموعة عمليات ذهنية محتملة و مرجحة في نفس الوقت ، و ليس بالضرورة أن تسير نحو نتيجة ثابتة…و أنا أرى أن المنطق نوعان رئيسيان يختلفان في الماهية و القيمة، و يلتقيان من خلال التجربة الملموسة…فحين يرى البعض أن المنطق ملموس، أعتقد أنا أن المنطق ينقسم إلى { منطق ملموس / و منطق مجرد } ، فهذا المنطق الملموس لا أسميه منطقا بل أسميه مسلمات، حيث يشترك في فهمه المثقف و العامي على حد سواء…و استدلال البعض بفصل الشتاء على المطر و فصل الصيف على الحرارة قاصر ارد عليه كالتالي :

  هؤلاء يرون أن المنطق عبر التجربة الانسانية أصبح يؤمن بأن الغيوم في فصل الشتاء تعني نزول المطر …و أن الشمس في فصل الصيف تعني بالمنطق حرارة… و هذا فيه بعض الهضم لمعنى المنطق العام، حيث أن لا علاقة منطقية تجمع بين زمن معين و عملية طبيعية معينة، لأن هناك صيف في الشرق و شتاء في الغرب، أليس كذلك؟ و بهذا أصحح المقولة بالشكل التالي:

شيء يلمع في السماء ليس بينه و بين الأرض حاجز يعني بالضرورة حرارة، سواء في شهر يناير أو شهر غشت بغض النظر عن ارتفاع أو انخفاض درجة الحرارة … و هذا الشيء نسميه شمس، و الحاجز هو الغيوم …

و أقول أيضا: شيء في السماء متكاثف كالصوف تصاحبه رياح يعني بالمنطق مطر.. الشيء هنا هو الغيوم، بغض النظر عن الوقت…مما يعني أن العملية المنطقية ، هي علاقة ترابطية فقط أيدتها التجربة الواقعية …

و هذا المنطق أسميه كما قلت مسلمات،بعيدا عن المصطلحات و المفاهيم المتفق عليها، مثله مثل أن النار تحرق و الأكل يشبع و العمل يتعب و النوم يريح و النور يضيء… فهذا منطق لا يحتاج لبرهنة أو استدلال …

أما المنطق المجرد الذي يرى البعض أنه لا يختلف عن المنطق المحسوس و أن العملية كلية لا تتجزأ.. فهنا نتساءل: ما هي ماهية كل من المنطقين ؟ فالمنطق المحسوس:

ــ  مشترك بين الناس..

ــ يعالج علاقات محسوسة يمكن لمسها و التأكد منها عبر التجربة البسيطة..

ــ يصبح عادة و مرجعا عقليا في خلال تجربتين أو ثلاث..

ــ واضح قريب..

أما المنطق المجرد فهو:

ــ غير مشترك بين الناس بل يقتصر على فئة تعتصر عقلها اعتصارا بحثا عن خيط تنطلق منه نحو الحقيقة الغامضة، و ذلك يمكن التمثيل له بقضية ما سنأتي إليه من خداع اللغة..

ــ يعالج علاقات مجردة، غامضة، بعيدة.. كالعلاقة بين الحروف للتدليل على شيء ما، أو العلاقة المنطقية في عدم الجمع بين النون الساكنة و الراء في اللغة العربية :

* نور {الواو هنا فاصل بينالنون و الراء} !

* نار{الالف فاصل بين النون و الراء} !

* منبر{ الباء فاصل بين النون و الراء} !

…و هكذا، ما هي العلاقة المانعة هنا من اجتماع هذان الحرفان؟ لا تبدو في الظاهر أية علاقة مانعة من اجتماعهما،إلا أن الباحث الملاحظ يمكنه استخراج العلة المانعة من اجتماعهما تباعا في كلمة واحدة، لكن الإنسان البسيط، بعيد عن إدراك هذه الأشياء و هي عنده ليست من المسلمات كما ليست لدينا أيضا..

ــ العلاقات العقلية المجردة، لا يمكن لمسها و التأكد منها إلا جزئيا و في حدود، بخلاف المنطق المحسوس..

ــ المنطق المجرد لا يصبح عادة إلا عند من تكونت له قناعة شخصية تقتصر عليه دون غيره، مما أدى إلى نشوء مدارس مختلفة بعدد القضايا المختلف فيها… كقضية اللغة و النظريات المتعددة في فهم لعبتها و العلاقات المتحكمة فيها داخليا و فيزيائيا …

   مما سبق، فإن المنطق لا يمكن أن يكون منطقا واحدا بل هو مجرد تقتصر القلة في التعامل معه، و محسوس أسميه مسلمات يشترك فيه الجميع و أقرب إلى العادة…

المنطق و الصواب:

   هذه القضية من أهم القضايا التي يخطئ في فهمها كثير من الناس، حتى من أولئك الذين لا ينبغي لهم ذلك من المثقفين و بعض المفكرين أحيانا، فيخلطوا بين المنطق و الصواب و يجعلونهما متلازمين لا يفترق أحدهما عن الآخر..أقول:

بما أن المنطق هو مجموعة علاقات حسابية يقبلها العقل، فإن هذه العلاقات تكون بسيطة و واضحة و موثوقة في المسلمات ــ المنطق المحسوس ــ و تستعصي حين يتعلق الأمر بالمنطق المجرد، إذ يمكن الحكم بالصواب أو الخطأ على الأولى من خلال التجربة المشهورة عنها،إذ لا يمكنك أن تزعم أن النار لن تحرق، حتى لو استدللت على ذلك بحادثة إبراهيم عليه السلام… لكنك لن تستطيع الحكم بالصواب أو الخطأ على أي منطق مجرد، لذا نجح السوفسطائيين في الفلسفة اليونانية القديمة، في اختراق العقول عبر المجردات و ليس عبر المسلمات، و قالوا بوجود حقائق مختلفة للشيء الواحد، و لكل إنسان حقيقة معينة عن الشيء انطلاقا من تجربته الخاصة،فحاولوا إقناع الناس بأن ما يراه الواحد منهم على أنه حقيقة ثابتة،إنما هو حقيقة خاصة به، و للآخرين حقائق تختلف عنه و بنفس القيمة أيضا، و معنى هذا الكلام أنه لا توجد حقيقة مطلقة و مشتركة، و كل واحد هو صائب انطلاقا من فهمه الشخصي للشيء و عنده الحق في الإقتناع به، مما يشوه صورة العالم، و يخفي الحقائق المطلقة، خلف الأهواء الشخصية التي ترسم لها الحقيقة التي تريدها..فكيف غذن لا يمكن الحكم بالصواب أو الخطأ على نتيجة المنطق المجرد؟ أمثل لذلك بالمثال البسيط التالي:

 اللغة محاكاة أو تواضع و اتفاق أو توافق أو إلهام إلاهي..هذه كلها نظريات معتمدة، لكنها لن تخضع للحكم الحاسم بالصواب أو الخطا، إنما تبقى جميعها محتملة و ليس بإمكان أحدنا إلا الترجيح بينها… و لذا قلت في التعريف انها علاقات محتملة و مرجحة في نفس الوقت …

مما سبق: المنطق عمليات عقلية حسابية مقبولة ذات ترتيب تدريجي، لكن لا علاقة لها بالخطأ أو الصواب، فقد يكون الطرح منطقيا و تؤيده التجربة أيضا و يقبله العقل و محتملا و مرجحا في نفس الوقت.. لكنه ليس صائبا أبدا،و إنما قد يكون مرجحا و منطقيا، و كاذبا في نفس الوقت، و العلاقة بين المنطق و الصواب علاقة انفصال تام ، و لا علاقة بينهما، و لا تأثير لأحدهما على الآخر… المنطق يعالج القضية حسابيا في علاقات ترابطية، و الصواب حكم نشأ بين مجموعة معينة بناء على اتفاق أولي ترسخ على مر الأجيال بأن هذا الشيء يجب أن يكون بهذا الشكل و على هذه الطريقة …و أختم هذه القضية بهذا المعنى: " لا علاقة بين المنطق و الصواب "

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



كي نربح شيئا، لا بد أن نخسر شيئا آخر ..